محمد جمال الدين القاسمي

58

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الإسرائيليون من مقدمه ، وضجوا إلى موسى فسكن روعهم ، وأعلمهم ما يشاهدون من نجاتهم ، وهلاك عدوّهم ، وأوحى تعالى إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر ، فانشق ودخل بنو إسرائيل في وسطه على اليبس الذي جعله تعالى آية كبرى ، ونفذوا منه إلى شاطئه ، وتبعهم فرعون وجنوده ، حتى إذا توسطوا البحر ، مدّ موسى يده على البحر ، فارتد إلى ما كان عليه ، وغرق فرعون بمن معه . ولما أحس بالغرق ، لاذ إلى الإيمان يبغي النجاة ، فقيل له : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 91 ] آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) آلْآنَ أي تؤمن وتسلم لتنجو من الغرق وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ أي كفرت باللّه من قبل الغرق وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي الضلال والإضلال ، والظلم والعتوّ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 92 ] فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ أي نخرجك من البحر بجسدك الذي لا روح فيه . فرآه بنو إسرائيل ملقى على شاطئ البحر ميتا وفي التعبير عن إخراجه من القعر إلى الشاطئ ( بالتنجية ) التي هي الخلاص من المكروه ، تهكم واستهزاء . لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ من الأمم الكافرة آيَةً أي عبرة من الطغيان والتمرد على أوامره تعالى . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ أي لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها . تنبيه : قال الشهاب الخفاجي في ( العناية ) : لا يقبل إيمان المرء حال اليأس والاحتضار ، كما يدل عليه صريح الآية : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 85 ] ، وأما ما وقع في ( الفصوص ) من صحة إيمانه ، وأن قوله آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ إيمان بموسى عليه السلام - فمخالف للنص والإجماع ، وإن ذهب إلى ظاهره الجلال الدواني رحمه اللّه . وله رسالة فيه طالعتها ، وكنت أتعجب منها حتى رأيت في ( تاريخ حلب ) للفاضل الحلبي أنها ليست له ، وإنما هي لرجل يسمى محمد بن هلال النحوي . وقد ردها القزويني ، وشنع عليه وقال : إنما مثاله مثال رجل